علي بن أبي الفتح الإربلي
377
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
فقالت قريش : يا معشر اليهود ، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم السابق ، وقد عرفتم ما جاء به محمّد وما نحن عليه من الدين ، فديننا خير أم دينه ؟ فقالوا : بل دينكم وأنتم أولى بالحقّ منه . فنشطت قريش إلى حربه صلى الله عليه وآله ، وقال لهم أبو سفيان : قد مكّنكم اللَّه من عدوّكم ، واليهود مقاتله « 1 » معكم ولا تفارقكم حتّى تستأصلوه ومن أتبعه . فقويت نفوسهم وعزائمهم على الحرب ، ثمّ جاء اليهود غطفان وقيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه ، وضمنوا لهم النصرة والمعونة وأخبروهم بموافقة قريش لهم على ذلك ، واجتمعوا وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة ، والحارث بن عوف في بني مُرّة ، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع . فلمّا سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله باجتماع الأحزاب على قصد المدينة استشار أصحابه فأجمعوا على المقام بالمدينة وحربهم على أنقابها ، وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق ، فحفره وعمل فيه بنفسه ، وعمل المسلمون . وأقبلت الأحزاب بجموعهم ، فهالت المسلمين وارتاعوا من كثرتهم ، ونزلوا ناحية من الخندق وأقاموا مكانهم بضعاً وعشرين ليلة ، ولم يكن بينهم حرب إلّا الرمي بالنبل والحصى « 2 » . فلمّا رأى رسول اللَّه ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم ووهنهم في حربهم بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف قائدي غطفان يدعوهم إلى الصلح والكفّ عنه والرجوع بقومهما عن حربه ، على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة ، واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فيما بعث به إليهما ، فقالا : إن كان هذا أمر أمر اللَّه به ولابدّ منه فافعل ، وإن كنت تفعله من أجلنا كان لنا فيه رأي . فقال عليه السلام : « لم يأتني فيه وحي ولكنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وجاءوُكم من كلّ جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم » .
--> ( 1 ) في المصدر : « تقاتله » . ( 2 ) في الإرشاد ودلائل النبوّة : « والحصار » .